العيني
89
عمدة القاري
بيان اللغات : قوله : ( العاصي ) : الجمهور على كتابته بالياء ، وهو الفصيح عند أهل العربية ، ويقع في كثير من الكتب بحذفها ، وقد قرىء في السبع نحوه * ( كالكبير المتعال ) * ( الرعد : 9 ) و : * ( الداع ) * ( البقرة : 86 ، والقمر : 6 و 8 ) قال الكرماني : وقيل : أجوف ، وجمعه الأعياض . قلت : العاصي من العصيان وجمعه عصاة ، كالقاضي يجمع على قضاة . والأعياص جمع عيص ، بكسر العين : وهو الشجر الكثير الملتف . وقال عمار : العيص من السدر والعوسج والسلم من العصاة ، كلها إذا اجتمع وتدانى والتف . وفي ( العباب ) : والجمع عيصان وأعياص ، وفيه : والأعياص من قريش أولاد أمية بن عبد شمس الأكبر ، وهم أربعة : العاص ، وأبو العاص ، والعيص وأبو العيص . وقال أبو عمرو : العيصان من معادن بلاد العرب . قوله : ( في حجة الوداع ) ، بكسر الحاء وفتحها ، والمعروف في الرواية الفتح ، قال الجوهري : الحجة ، بالكسرة : المرة الواحدة ، وهو من الشواذ ، لأن القياس الفتح . وفي ( العباب ) : الحج ، بالكسر ، الاسم . والحجة : المرة الواحدة ، وهذا من الشواذ . قلت : يعني القياس في المرة الفتح ، قالوا . المفعل للموضع ، والمفعل للآلة . والفعلة للمرة والفعلة للحالة . والحجة أيضاً : السنة ، والجمع : الحجج . وذو الحجة : شهر الحج ، والجمع : ذوات الحجة ، كذوات القعدة ، ولم يقولوا : ذووا على واحده . والحجة ، أيضاً : شحمة الأذن ، و : الوداع ، بفتح الواو ، اسم التوديع : كالسلام بمعنى التسليم . وقال الكرماني : جاز الكسر بأن يكون من باب المفاعلة ، وتبعه على هذا بعضهم ، وما أظن هذا صحيحاً لأنه بالكسر يتغير المعنى ، لأن الموادعة معناها المصالحة ، وكذا الوداع بالكسر ، والمعنى هو التوديع ، وهو عند الرحيل معروف ، وهو تخليف المسافر الناس خافضين وادعين وهم يودعونه إذا سافر تفاؤلاً بالدعة التي يصير إليها إذا نقل ، أو يتركونه وسفره . قوله : ( بمنى ) ؛ هو قرية بالقرب من مكة تذبح فيها الهدايا ، وترمى فيها الجمرات ، وهو مقصور مذكر مصروف . قوله : ( لم أشعر ) ، بضم العين ، أي : لم أعلم ، أي : لم افطنه . يقال شعر يشعر من باب : نصر ينصر ، شعراً وشعرة وشعرى ، بالكسر فيهن ، وشعرة وبالفتح ، وشعوراً ومشعوراً ومشعورة . قال الصغاني : شعرت بالشيء أعلمت به ، وفطنت له ، ومنه قولهم : ليت شعري : معناه : ليتني أشعر ، والشعر واحد الأشعار . قوله : ( ولا حرج ) أي : ولا إثم . قوله : ( فنحرت ) ، النحر في اللبة مثل الذبح في الحلق ، وتستعمل بمعنى الذبيح . بيان الإعراب : قوله : ( وقف ) ، جملة في محل الرفع لأنها خبر : إن . قوله : ( بمنى ) ، في محل النصب على الحال . قوله : ( يسألونه ) في محل النصب على الحال من الضمير الذي في : وقف ، ويجوز أن يكون : من الناس ، أي : وقف لهم حال كونهم سائلين عنه ، ويجوز أن يكون استئنافاً بيانياً لعلة الوقوف . قوله : ( فجاء رجل ) ، عطف على قوله : وقف . قوله : ( فحلقت ) الفاء فيه سببية ، وكذلك الفاء في : فنحرت ، كأنه جعل الحلق والنحر كلاً منهما مسبباً عن عدم شعوره ، كأنه يعتذر لتقصيره . قوله : ( قبل أن أذبح ) أن : فيه مصدرية ، أي : قبل الذبح . قوله : ( ولا حرج ) ، كلمة : لا ، للنفي . وقوله : ( حرج ) اسمه ، مبني على الفتح ، وخبره محذوف والتقدير : لا حرج عليك قوله : ( فجاء آخر ) أي : رجل آخر . قوله : ( أن ارمي ) أن : فيه أيضاً مصدرية ، أي : قبل الرمي . قوله : ( فما سئل ) على صيغة المجهول ، و : النبي ، مفعول ناب عن الفاعل ، و : عن شيء ، يتعلق بالسؤال . قوله : ( قدم ) على صيغة المجهول ، جملة في محل الجر لأنها صفة : لشيء . قوله : ( ولا أُخر ) أيضاً على صيغة المجهول ، عطف على : قدم ، والتقدير : لا قدم ولا أخر ، لأن الكلام الفصيح قل ما يقع : لا ، الداخلة على الماضي فيه إلاَّ مكررة ، وحسن ذلك هنا لأنه وقع في سياق النفي ، ونظيره قوله تعالى : * ( وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ) * ( الأحقاف : 9 ) وفي رواية مسلم : ( ما سئل عن شيء قدم أو أخر إلاَّ قال : إفعل ولا حرج ) . بيان المعاني : فيه : حذف المفاعيل من قوله : ( فحلقت ) و ( أن أذبح ) و ( أذبح ) و ( فنحرت ) و ( أن ارمي ) و ( ارم ) للعلم بها بقرينة المقام . قوله : ( عن شيء ) أي ، مما هو من الأعمال يوم العيد ، وهي : الرمي والنحر والحلق والطواف . قوله : ( افعل ولا حرج ) قال القاضي : قيل : هذا إباحة لما فعل وقدم ، وإجازة له لا أمر بالعيادة ، كأنه قال : إفعل ذلك كما فعلته قبل ، أو متى شئت ولا حرج عليك ، لأن السؤال إنما كان عما انقضى وتم . بيان استنباط الأحكام : الأول : فيه جواز سؤال العالم راكباً وماشياً وواقفاً . الثاني : فيه جواز الجلوس على الدابة للضرورة بل للحاجة ، كما كان جلوسه ، عليه الصلاة والسلام ، عليها ليشرف على الناس ، ولا يخفى عليهم كلامه لهم . الثالث : في ترتيب الأعمال المذكورة في الحديث ، هل هو سنة ولا شيء في تركه ، أو واجب يتعلق الدم بتركه ؟ فإلى الأول ذهب الشافعي وأحمد ، وإلى الثاني ذهب أبو حنيفة ومالك . وقال عياض : أجمع العلماء على أن سنة الحاج أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر ، ثم يطوف